خليل الصفدي

222

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

فأتيت يوم السبت / وصادفته فقلت : تعمل ؟ فقال : قد عرفت الأجرة والشرط ، قلت : نعم ، فقام وعمل كما عمل في اليوم الأول فلما وزنت الأجرة زدته فأبى يأخذ الزيادة فألححت عليه فضجر وتركني ومضى . فغمني ذلك وتبعته وداريته حتى أخذ أجرته فقط . فلما كان بعد مدة احتجنا إليه فمضيت يوم السبت فلم أصادفه فسألت عنه فقيل : هو عليل . فأتيته وهو في بيت عجوز فاستأذنت ودخلت عليه فسلمت وقلت : ألك حاجة ؟ قال : نعم إن قبلت . قلت : نعم . قال إذا أنا متّ فبع هذا المر واغسل جبتي هذه الصوف وهذا المئزر وكفّنّي بهما وافتق جيب الجبّة فإن فيها خاتما فخذه وقف للخليفة الرشيد في موضع يراك وأره الخاتم وسلمه إليه ولا يكون هذا إلا بعد دفني ، قلت : نعم . ولما مات فعلت ما أمرني ورصدت الرشيد في يوم ركوبه وجلست على الطريق له فلما دنا قلت يا أمير المؤمنين لك عندي وديعة ولوحت بالخاتم . فأخذت وحملت حتى دخل داره ثم دعاني خلوة وقال : من أنت ؟ قلت : عبد اللّه . قال : هذا الخاتم من أين لك ؟ فحدثته قصة الشاب فجعل يبكي حتى رحمته فلما أنس بي قلت : يا أمير المؤمنين من هو لك ؟ قال : ابني ولد قبل أن ألي الخلافة ونشأ نشأ حسنا وتعلم القرآن والعلم ولمّا وليت الخلافة تركني ولم ينل من دنياي شيئا فدفعت إلى أمه هذا الخاتم وهو ياقوت له قيمة كبيرة وقلت : ادفعي هذا إليه ، وكان بها بارّا ، لعله يحتاج إليه ينتفع به . وتوفيت أمه فما عرفت له خبرا إلا ما أخبرتني به أنت ثم قال : إذا كان الليل اخرج معي إلى قبره . فلما كان الليل مشى معي وحده وجلس على قبره وبكى بكاء شديدا . فلمّا طلع الفجر رجعنا ثم قال لي : / تعاهدني في بعض الأيام حتى أزور قبره فكنت أتعاهده . قال محب الدين ابن النجار : عبد اللّه ابن الفرج العابد راوي هذه الحكاية هو أبو محمد القنطري كان من أعيان الزهاد وكان بشر بن الحارث يزوره ولم يسمّ ابن الرشيد في هذه الرواية . قلت : وقد اختصرت بعض ألفاظها ولم أخلّ